ابن الجوزي

52

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

ثم جاء إلى داره فنزلها ، فقال : قاتلهم الله ، ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم ، أما حلفي باللَّه عز وجل فإنه ينبغي لي إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها أن أكفره ، وخروجي عليهم خير من كفي عنهم . وأما ألف بدنة فما قدر ثمنها ، وأما عتق مماليكي فوددت إن استتب لي أمري ، ثم لم أملك مملوكا أبدا . ولما استقر في داره اختلفت الشيعة إليه ورضيت به ، فلم يزل أمره يقوى إلى أن عزل عبد الله بن الزبير عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد ، وبعث عبد الله بن مطيع على عملهما بالكوفة ، وبعث الحارث بن أبي ربيعة على البصرة ، فقدم ابن مطيع الكوفة لخمس بقين من رمضان سنة خمس وستين ، فقيل له : خذ المختار واحبسه ، فبعث إليه فتهيأ للذهاب ، فقرأ زائدة بن قدامة : * ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ . . . 8 : 30 ) * [ 1 ] ففهمها المختار ، فجلس وألقى ثيابه ، وقال : ألقوا عليّ القطيفة ، ما أراني إلا قد وعكت ، ثم قال : أعلموا ابن مطيع حالتي واعتذروا عنده ، فأخبر بعلته ، فصدقه ولهى عنه ، وبعث المختار إلى أصحابه ، وأخذ يجمعهم في الدور حوله ، وأراد أن يثب بالكوفة في المحرم ، فقال : بعض أصحابه لبعض : إن المختار يريد أن يخرج بنا وقد بايعناه ولا ندري أرسله إلينا ابن الحنفية أم لا ، فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية ، فإن رخص لنا في اتباعه تبعناه ، فذهبوا إليه فأخبروه فقال : والله لوددت أن الله انتصر لنا بمن أشاء ، فلما قدموا قالوا : أذن لنا ، ففرح المختار ، وكان قد انزعج / من خروجهم وخاف أن لا يأذن لهم ، وقد كان إبراهيم بن الأشتر بعيد الصوت كثير العشيرة ، فأرادوه أن يخرج مع المختار ، فقال : بل أكون أنا الأمير ، قالوا : إن محمد بن الحنفية قد أمر المختار بالخروج ، فسكت ، فصنع المختار كتابا عن ابن الحنفية إليه يأمره بالموافقة للمختار ، وأقام من يشهد أنه كتاب ابن الحنفية ، فبايعه وتردد إليه ، فاجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربع عشرة من ربيع الأول سنة ست وستين . فأتى إياس بن مضارب عبد الله بن مطيع ، فقال : إن المختار خارج عليك إحدى الليلتين ، فأخرج الشرط ، وأقامهم على الطريق في الجبابين ، خارج البلد ، فخرج إبراهيم بن الأشتر ، وقال : والله لأمرّنّ على دار عمرو بن حريث إلى جانب القصر وسط

--> [ 1 ] سورة : الأنفال ، الآية : 30 .